| سوريا: النّقاب يقوّض الأسس العلمانية للدولة | ||||||||||||
منع النقاب في المؤسسات التعليمية يثير جدلا كبيرا في سوريا، والحكومة تؤكد أن القرار يناهض التشدد الديني | ||||||||||||
| ||||||||||||
يثير قرار منع النقاب في المؤسسات التعليمية جدلا كبيرا في سوريا، في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن قرارها يناهض التشدد الديني ويهدف إلى تكريس علمانية التعليم. ويرى بعض المراقبين أن القرار يحمل أبعادا سياسية تعكس قلق دمشق حيال صعود ظاهرة اجتماعية دينية ترمز لمد سلفي يهدد من وجهة نظرها علمانية الدولة. ويؤكد الكاتب نضال نعيسة أن قرار وزارة التربية السورية بمنع المدرسات المنقبات من العمل في مجال التدريس ومن ثَمّ قرار وزارة التعليم العالي بمنع المنقبات من دخول الحرم الجامعي يشكّل "احترام لقيم وتقاليد العمل والحياة الأكاديمية التي لا يمكن أن تنسجم وتتعايش مع قيم البداوة التي ستفجر الجامعة من داخلها، كما فجرت البداوة مجتمعات الشرق الأوسط ودمرتها، وستكون سبباً لأوضاع شاذة وغير طبيعية وقيم صدامية وعدوانية تسود الحرم الجامعي، نحن جميعاً في غنى عنها". ويضيف في مقال له نُشر في موقع "الحوار المتمدن": "المشكلة ليست في النقاب بحد ذاته بقدر ما هي في الثقافة والفكر التي تقف وراء هذا النقاب والشخصية التي تحمل بذور هذا الفكر التدميري والهدام والمستعصي على أي علاج". وكانت مصادر في أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا ذكرت لوكالة الأنباء الألمانية أن "ممثلين عن أحزاب الجبهة بدأوا، مؤخراً، اجتماعات مفتوحة مع عدد من رجال الدين لمناقشة ظاهرة النقاب الدخيلة على المجتمع السوري المعتدل تاريخيا". وأكدت هذه المصادر أن المجتمع والحكومة يعملان سوياً على معالجة هذه الظاهرة باتزان، مشيرةً إلى أن هذه الاجتماعات أسفرت عن نتائج متباينة من منطقة لأخرى، وإن كانت نتائجها في العموم مرضية ومهمة. وتشير تقارير صحفية إلى أن عدد الفتيات المنقبات في الجامعات السورية يبلغ 1 بالمئة. ويقول النائب محمد حبش "أنا شخصيا أستغرب هذا التهويل الإعلامي لظاهرة لا تزيد عن 1 بالمئة، وأنا حتى أعتقد أن هذا الرقم مبالغ فيه". ويضيف في حوار تلفزيوني "نحن أمام مسألة شرعية في المقام الأول، من المعلوم أن الشريعة تدعو إلى الحجاب ولكن النقاب يعتبر ظاهرة طارئة، من وجهة نظرنا وهذا الأمر يشترك فيه علماء كثيرون في الفقه الإسلامي فإن النقاب هو ظاهرة لم تكن في مقاصد الرسالة ولا في مقاصد الإسلام وإنما طرأت فيما بعد باجتهاد بعضهم الذين ظنوا أن في عصر الفتن يباح استخدام النقاب". وكان مفتي سورية الشيخ أحمد بدر الدين حسون انتقد الطريقة التي تعتمدها وزارة التربية لمواجهة ظاهرة النقاب، لكنه اعتبر في الوقت ذاته أنّ هذه الظاهرة "عادة دخيلة" على البلاد. ونقلت صحيفة "السفير" اللبنانية عن حسون قوله إنه "كان من الأفضل معالجة الموضوع بهدوء"، مشيراً إلى أنّ "النقاب عادة تحولت إلى عبادة منذ سنين ليست بعيدة، فكانت مناسبة للمطالبة بإعادة النظر ببعض العادات المشابهة التي تحوّلت عبادات أيضاً". ومن جهة ثانية، رفض المفتي حسون إلغاء الدراسة الدينية في المدارس مقترحاً تطويرها، وبخاصة في المرحلة الابتدائية "حيث يجب التركيز على تعليم الصدق والأمانة لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء". وكان وزير التربية السوري علي سعد اعتبر في جلسة عقدها مجلس الشعب في نهاية الشهر الماضي أن "صميمية العلاقة بين العروبة والإسلام تشكل جوهر عملية تطوير مناهج المواد ذات الصلة بالهوية الوطنية والقومية والروحية". وشدد على أن "مادة التربية الدينية الآن هي لكل أبناء المجتمع، وأن التعديل والتطوير في مناهج وزارة التربية يشملان المناهج كلها بدءا من الرياضيات والفلسفة وصولا إلى التربية الدينية"، لافتاً إلى أن من وضع هذه المناهج الجديدة هم "خبراء متخصصون وطنيون". ويقول الباحث عمر قدور "لم يسبق أن طُرحت للتداول قضيّة الحجاب أو النقاب في سوريا، على النحو الذي تُطرح فيه حاليّاً، ولعلّ السابقة الوحيدة كانت في بداية ثمانينات القرن الماضي عندما كان الحكم في مواجهة حادّة مع الإخوان المسلمين؛ حينها قامت بعض المظلّيات بفعل متطرّف إذ نزعن الحجاب، لا النقاب الذي لم يكن شائعاً، عنوة عن رؤوس بعض النساء في الشارع، ولم يحظَ تصرفهنّ برضا الرئيس السوري السابق "الراحل" الذي أعلن أنّ الجهد يجب أن يُبذل تجاه الفتيات الصغيرات لا تجاه النساء الكبيرات أو المسنّات". ويضيف في مقال له بموقع "الأوان" الفكري "وبالفعل فقد تمّ التشديد حينها على عدم جواز ارتداء الحجاب في المدارس المتوسّطة، وإلزام الفتيات باللباس المدرسيّ الموحّد الذي كان معمولاً به آنذاك والذي يتضمن قبّعة على الرأس تشبه القبّعة العسكريّة". ويتابع "لكنّ الأمور لم تدم على هذا النحو، إذ تمّ تجاهل التوجّه السابق وعاد الحجاب بالتدريج إلى الظهور في المدارس المتوسّطة، في دلالة على انحسار المواجهة السياسيّة والأمنيّة بين الحكم والتيّار الإسلاميّ الإخوانيّ الذي شهد ضعفاً على المستوى السياسيّ، في الوقت الذي بدأت شوكة الإسلام السياسيّ تقوى في المحيط الإقليميّ". ويطالب رئيس إحدى الجامعات الخاصة في سورية بفرض منع النقاب قائلاً "نحن نعاني من مسألة النقاب وذلك خلال الامتحانات أو حتى ساعات الدوام". ونقل موقع "نساء سوريا" عن إحدى النساء المنقبات قولها "لا شك أن بعض النساء تنقبن لقناعتهن أن ديننا الحنيف يأمرهن بذلك. لكنني واثقة من خلال تجربتي وتجربة عدد كبير من المنقبات أعرفهن أن من تنقبت بسبب من قناعتها الدينية قلة نادرة. لكن في الواقع 'قناعة' من نوع آخر، هي قناعة اجتماعية ناجمة عن المجتمع الذي تعيش هؤلاء النسوة فيه". وتضيف "حتى تتأكدوا من قولي هذا افعلوا ما فعلت تلك الأوروبية التي ارتدت النقاب ليوم كامل كي تتلمس ردود فعل الناس على نقابها. افعلن -أو افعلوا- ذلك لتتأكدوا مدى المعاناة التي تعانيها المرأة المنقبة داخل نقابها. معاناة جسدية حقيقية لأنها مضطرة دائما لارتداء المزيد من الثياب مهما كانت درجات الحرارة مثلا. ومعاناة نفسية مستمرة كل لحظة لأنها تعرف في كل لحظة، وترى ذلك في كل لحظة في عيون الآخرين، أنها في وضع غريب". وتتابع "لذلك أجد نفسي موافقة -وإن على مضض- أن النقاب يشعر المرأة حقا أنها عارية لأنها تعرف أن وجهها غير مرئي للآخرين. أي أن وسيلة الإنسان الأساسية في التواصل البشري تم إلغاؤها". ويرى قدور أنّ وضع ضوابط لأيّ مهنة لا يندرج في إطار التمييز "طالما كانت هذه الضوابط لا تتعلّق بالجنس أو الدين أو العرق، وهذا ما لا ينطبق على حالة النقاب لأنّ المنع لا يتعلّق بالمرأة أو المسلمة على وجه العموم". ويضيف "قد يكون الأمر أكثر إشكاليّة فيما يتعلّق بمنع النقاب لدى الطالبات، إذ سرعان ما يواجهنا البعض بالتعارض بين الحقّ في التعليم والواقع الأسريّ الذي يفرض على الفتيات أن يضعن النقاب، بحجّة أن بعض الأسر قد تحجم عن تعليم بناتها لهذا السبب. ثمّة حقوق مهضومة تغيب في طرح السؤال على هذه الشاكلة، فالفتيات المعنيّات هنا محرومات أصلاً من غالبيّة حقوقهنّ، أو مقصيّات عن مفهوم الحقّ برمّته". ويتابع "على العموم كثير من التوظيف السياسيّ وقليل من التفكير الإيجابيّ الهادئ‘ هذه هي حصيلة السجال حول قضيّة النقاب حتّى الآن. الغائب الأكبر في السجال هنّ المنقّبات أنفسهنّ، اللواتي حجب النقاب عن أعين الكثيرين أنّهنّ نساء ينبغي تمكينهنّ من حقوقهنّ، وإبداء الدعم الحقيقيّ لهنّ، لا نسيانهنّ وإبداء الدعم للنقاب". | ||||||||||||
| ![]() | |||||||||||