موقع سمسم » ثقافة » مقالات » مقال
كرة القدم: أفيون الشعوب أم سمفونية الأمم؟

الساحرة المستديرة تقتحم النصوص الإبداعية والروائية وتغري محمود درويش وتستقطب بوجدرة وميهوبي

(2010/06/17 ,04:30)
السعيد تريعة - الجزائر

كرة القدم: أفيون الشعوب أم سمفونية الأمم؟
كرة القدم: أفيون الشعوب أم سمفونية الأمم؟

تمكنت كرة القدم من استقطاب وخطف قلوب الملايين عبر أرجاء المعمورة وخلقت نقاشا واسعا لدى النخب حول علاقة المثقّف بالنشاطات الرياضيّة بما في ذلك الكرة المستديرة والتي تتراوح بين الانفصال والاتصال وإن كان ثمّة من يمارس الازدواجيّة في الحكم على المسائل الرياضيّة إذ يعتبرها ظاهريّاً اهتمامات تحيل على ''الميوعة'' وعلى ''التفسّخ'' والوعي المزيّف والوعي المقلوب، باعتبارها ''أفيون الشعوب'' بينما في الممارسات اليوميّة يقبل على مشاهدة النشاطات الرياضيّة وخاصّة مقابلات كرة القدم وتتعطّل لديه كلّ الملكات النقديّة، وبين مد وجز لم تغب الكرة عن أعمال الكتاب والمثقفين.

أصبحت كرة القدم تحتل حيّزاً واسعاً في النصوص الإبداعية والروائية.

وتموضعت كفضاء خيالي رمزي، لا سيما في العقود الأخيرة، وواكبت الكرة الطقوس والأعياد الشعبية، والرهانات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.

مونديال 1982 والحديث عن سر الترابط

طرحت مجلة ''لير'' الثقافية الفرنسية إبان مونديال 1982موضوع علاقة الأدب والثقافة بلعبة كرة القدم، وكان للكتّاب والمثقفين والفنانين الفرنسيين والفرنكوفونيين مقاربات شتى، أجمعت على أن هذه اللعبة ذات الأصول الإنكليزية (عام 1880) غدت تحتل حيّزاً واسعاً في النصوص الإبداعية والروائية.

وذهب ج.هويزنغا في كتابه عن اللعب، إلى أنه أقدم شكل من أشكال الثقافة.

وعدّ التربويون لعبة الكرة عنصراً تكوينياً لتقويم الجسد وتعديل السلوك وتنشيط العقل، وعاملاً من عوامل التآزر الاجتماعي أو المساواة بين الفئات والطبقات المختلفة، حيث تفترض قوانين اللعبة ادواراً محددة لللاعبين لئلا يتعدى واحدهم على الآخر، وقدراً من إنكار الذات لبلوغ الأهداف المشتركة، او الغاية المرتجاة.

واحتسبها السيكولوجيون متنفساً ومخرجاً لرغبات عنيفة مكبوتة.

وكان من ثمار الالتفاف الجماهيري حول هذه الظاهرة الكروية، مع توسّع السوق المعولم، أن أضحى موعد المونديال ظرفاً مواتياً لتحويله إلى مشروع اقتصادي يحقق لبعض الفئات أرباحاً خيالية.

بيد أنّ هذه النظرة إلى لعبة كرة القدم لدى الباحثين ليست إيجابية دائماً، بل تتخللها نظرة تبخيسية تحطّ من قيمة هذه اللعبة، وتتوجس من عواقبها، حين تراها عبارة عن ملهاة، ابتكرتها البورجوازية لتعمي أبصار الطبقات الشعبية المسحوقة، عن المطالبة بحقوقها المسلوبة والمغتصبة.

محمود درويش عاشق الكرة

كان الشاعر الراحل محمود درويش عاشقاً لكرة القدم، فهو صاحب التعبير الشهير ''كرة القدم أشرف الحروب''.

وفي إحدى لقاءات محمود درويش الشعرية بمدينة فاس، قدمته إحدى الكاتبات إلى الجمهور بكثير من المبالغة كما يشير الشاعر المغربي سعد سرحان، وعندما بدأ درويش يتحدث تعجب من الحضور الكبير رغم وجود مباراة بين فرنسا وإسبانيا وقال للجمهور ''أنا من جهتي أفضل متابعة المباراة حتى ولو كان من سيجيء الأمسية هو المتنبي''.

بوجدرة وضربة الجزاء

وضع رشيد بو جدرة، روايته ''ضربة جزاء'' الصادرة بالفرنسية، قبل أن يترجمها مرزاق بقطاش إلى العربية.

وضعها على خلفية رياضية، هي مباراة نهائي كأس فرنسا، التي حصلت الأحد 26 مايو/أيار 1957 وتبارى فيها فريقا تولوز وانجي.

وقد تقطّعت فصول الرواية الـ 12 حسب إيقاع النتائج بين الفريقين، بدءاً بتولوز: صفر- انجي: صفر، إلى نهاية المباراة تولوز: 6 - أنجي: 3 واستغرق الزمن السردي، الفترة المحددة عادة للمباراة، وهي تسعون دقيقة، تتخللها فترة استراحة ما بين الشوطين.أما الحدث الرئيسي الموازي الذي جرى داخل الملعب، وعلى منصات المتفرجين، فهو إقدام فدائي جزائري على اغتيال الباشاغا محمد شكال أحد عملاء الاحتلال الفرنسي.

وبوجدرة مؤلف هذه الرواية شغوف بهذه اللعبة إلى حد بعيد، وإن وجّه النقد إلى جمهورها، وهو جمهور الفرنسيين، وجمهور الرعايا الجزائريين المتواجدين على الأرض الفرنسية.

وكان كتب ''سيناريو'' لفيلم يتحدث عن فريق جبهة التحريرالجزائرية لكرة القدم الذي تأسس عام 1958 من لاعبين احترفوا اللعب في النوادي الفرنسية.

ومنهم اللاعبان إبراهيمي وبوشوك اللذان يلعبان في رواية ''ضربة جزاء'' دوراً هاماً يحقق لفريقهما، فريق تولوز، النصر على الفريق الخصم انجي.

في الرواية يتتبّع بوجدرة الملمّ بقوانين لعبة كرة القدم المسارات المكانية، والتشكيلات الهندسية التي ترسمها على أرض الملعب أقدام اللاعبين، من خلال مراوغاتهم، ومهاراتهم، ومناوراتهم وتكتيكاتهم الذكية، وصوابية أو عشوائية تسديدهم الكرة إلى مرمى الخصم.

وإذ يتطور حدث القتل المتزامن، مع حدث المباراة، فإنه يبلغ ذروته عند فوز فريق تولوز على فريق انجي.

لكن المدة الزمنية المحصورة للمباراة، يفتحها الروائي المتأثر بتيار الرواية الجديدة في فرنسا، على تقنيات القصة الحديثة، من التداعي الحر، إلى السرد الاسترجاعي الذي يمتد إلى زمن مرابع الطفولة الأولى وشقاوتها، وإلى حاشية من ذكريات المراهقة الطائشة، وأمكنة السفر والارتحال، وأعوام الاحتلال القاسية، حيث عاش أبناء الجزائر أصحاب الأرض تاريخاً امتصته الثورات والانتفاضات والمذابح، والتمرد والتهجير الجماعي، والنفي والخراب والطرد.

وسيق شبابهم عنوةً واضطراراً، إلى حروب الأطماع الاستعمارية خارج الحدود.

تجري في رواية ''ضربة جزاء'' الأحداث في ملعب كولومب، ويسجّل محمد صدوق الملقّب بستالين، الاسم الذي سمعه من عمه الشيوعي، ابن عنابة الجزائرية، هدفاً من نوع آخر، في رأس العميل محمد شكال، صاحب الحظوة والمكانة عند المحتلين الفرنسيين، الذي أُجلس في منصّة التشريفات الرئيسية، إلى جانب كبار القادة والمسؤولين الفرنسيين.

ويحدّد محمد صدوق لحظة تسديد الطلقة النارية إلى خصمه، بتسجيل مواطنه الرياضي بوشوك هدفاً في مرمى أنجي.

فكانت بين الاثنين حركة متزامنة، التقى فيها بوشوك وصدوق على هدفهما، كل من ناحيته.

بل أصرّ الفدائي المترقب والمنتظر على المدرجات المقابلة لمدرجات الرئاسة، أن ينفذ حكم الإعدام بخصمه، دون أن يخطئه، في التوقيت ذاته، الذي وقعت فيه كرة بوشوك داخل شباك حارس فريق انجي.

فاستحق صدوق الكأس، على ما قال ابن جارته لأمه عندما سمع بالخبر: ''على أية حال...ابنك هو الفائز الحقيقي بالكأس''.

وإن كان عمل صدوق أوعزت به، منظمة جزائرية تحارب المحتلين، والمتواطئين معهم من السكان المحليين، إلاّ أنّ هذا الإيعاز صادف في نفسه استعداداً، وعزيمةً سابقة، على تسديد ضربة لعدو الأمة، ولو ترك رأسه يسقط داخل كيس الجلاّد، لأنه لا يريد أن يبقى مجرد ضحية من ضحايا التاريخ، بل أحد صنّاعه.

وللجائزة المعنوية التي حازها البطل رغم ظلمة الزنزانة، التي أُوصدت عليه إثر الحادثة، بهاء وبريق، يختلفان عن بهاء وبريق الميدالية التي حصل عليها أبوه، الذي صُرع، وهو يقاتل في صفوف المجندين الفرنسيين.

فجعلت الأم العجوز مسعودة من الميدالية الفرنسية، بعد موته، جرساً في أعناق بقراتها! وعلى رغم توالي المصائب عليها، ظلت متحاملة على نفسها، وعلى مصابها، كأنها صورة عن صلابة الجزائر الرافضة نير الاحتلال عهد ذاك.

ميهوبي: ومع ذلك فإنها تدور

يعد كتاب ''ومع ذلك فإنها تدور'' مزيجاً رائعاً من إبداع قلم عز الدين ميهوبي وقدم زيدان ورونالدينيو، مثلما ورد في المقدمة التي جاءت بقلم الإعلامي العربي الكبير أسامة الشيخ، والذي يقول في تقديمه إن ميهوبي يمتلك مهارة في الكتابة تتجلى من خلال عنوان الكتاب ''ومع ذلك فإنها تدور".

وعاد ميهوبي إلى البدايات الأولى لاهتمامه وولعه بـ''الجلد المنفوخ''، هذا الولع الذي كبر شيئاً فشيئاً ليتحول إلى إعلامي حاور ألمع نجوم الكرة أمثال أوغستين أوكوشا وكامبوس وماجر والعويران، وآخرون كثيرون من شخصيات الكرة المستديرة.

كما أنه يعد مؤسس أول صحيفة أسبوعية رياضية تصدر باللغة العربية في الجزائر، ثم يتحول عز الدين ميهوبي من خلال مقالات كتابه إلى الملاعب العالمية بحيث يصف لنا ما نشهده على أرضيتها من مباريات ومفارقات وعجائب بأسلوب جذاب، متخذاً من كل ''خرجة'' أو''هفوة'' تصدر عن الفاعلين الأساسيين في اللعبة، فكرة يبني على أساسها مقالاً من مقالات الكتاب.

لا حياد مع الكرة

يحتم الاعتناء بكرة القدم باعتبارها من أكثر الظواهر الجماعيّة والكونيّة استقطاباً على كلّ المواطنين المعولمين التحول إلى مشاهدين غير محايدين، فلا حياد في اللعب كما في الحب والحرب.

هذا على مستوى التفاعل النفسي للحدث اللعبي.

أمّا على مستوى التعامل الذهني والعقلي فبإمكان المثقف تشخيص الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والنفسيّة والسياسيّة استناداً إلى تأمّل الأفعال وردود الأفعال في هذا النشاط الاستقطابي للمليارات من الكائنات الإنسانيّة فيتساءل عن سرّ هذا الشغف.

ولهذا أليس غريباً أن يعاد تحديد هويّة الدولة وتعريفها من جديد باستحضار المعطى الكروي ذلك أنّه لم يعد كافيا أن تتصرّف الدولة استنادا إلى المعطى الحقوقي إذ يتوجّب على هذا الشعب أن يكون له فريق لكرة القدم وإلاّ انتفت عنه صفة الوجود السياسي المادي والاعتباري وتظلّ هويّته مبتورة إلى أن يشكّل فريقاً للكرة؟
طباعة المقال  |  
أرسل للمحرر
ارسال تعليق
اسمك:
البلد:
بريدك الإلكتروني:
  أظهروا بريدي الإلكتروني في التعليق
تعليق:
أرسل للمحرر
طباعة المقال
احداث
دين
اخبار
هو وهي
الزوار
ثقافة
تكنولوجيا
فيديو
منوعات
سيارات
الاسرة
فن
البيت
اقتصاد
شباب
الجنس
البوم صور
اغاني
مقالات متعلقة
  • أكثر من 9 مليارات دولار قيمة تأمين كأس العالم

  • الأميركيين لا يمكنهم مقاومة شراء الكتب

  • "المنطقة الخضراء" يفضح الغزو الأمريكي للعراق

  • فيلم "الأميرة والضفدع" يتصدر الأفلام الأميركية

  • وفاة الاميرة فريال آخر أميرة مصرية

  • أمريكي يرسم سور القرآن في "لوحات فنية"